حين يكتب التاريخ فصوله الخالدة، لا يلتفت إلى الضجيج، بل إلى من يصنع المجد بقدميه، وإلى من يحوّل المستحيل إلى مشهد عادي. وهذا بالضبط ما فعله أسود الأطلس، حين دكّوا شباك كندا بثلاثية نظيفة، وفتحوا لأنفسهم أبواب دور الثمانية بثقة الكبار، لا بخطوات المترددين.
المغرب لم يصل إلى هذا الدور مصادفة، ولم تمنحه الكرة هدية مجانية، بل انتزع مكانه انتزاعا، بعدما قدّم كرة قدم حديثة تجمع بين الانضباط التكتيكي، والصلابة الدفاعية، والجرأة الهجومية، والإيمان بأن الأحلام لا تستعار، بل تصنع .
أسود الأطلس لم يدخلوا البطولة لالتقاط الصور التذكارية، ولا لاكتساب الخبرة، بل دخلوا وهم يحملون مشروع أمة كاملة تؤمن بأن المستحيل مجرد كلمة يرددها العاجزون. لذلك لم يكن الفوز مجرد ثلاثة أهداف، بل كان إعلانا صريحا بأن المغرب أصبح رقما صعبا في معادلة الكرة العالمية، وأن احترامه لم يعد مجاملة، بل حقيقة تفرضها النتائج .
وفي الجهة المقابلة، يقف منتخب عربي آخر شاهدا على قصة مختلفة تماما؛ قصة ضاعت فيها البوصلة، وتآكل فيها المشروع، حتى أصبح الحضور في البطولات مجرد عبور باهت، وانتهت الأحلام إلى نتائج لا تليق بتاريخ الجماهير ولا بطموحاتها. والمؤلم ليس التعثر في حد ذاته، فكل المنتخبات تتعثر، وإنما الإصرار على تكرار الأخطاء، وكأن الزمن لا يتحرك، وكأن الفشل إن طال عمره أصبح إنجازا. أما الأكثر إيلاما، فهو أن بعض المسؤولين ما زالوا يتشبثون بكراسيهم، رغم أن لغة الأرقام والنتائج قالت كلمتها منذ زمن، وكأن البقاء في المناصب غاية، لا وسيلة لخدمة اللعبة .
النجاح لا يولد من الخطب الرنانة، ولا من المؤتمرات الصحفية، ولا من تبرير الإخفاقات، بل من الشجاعة في الاعتراف بالفشل، ومن الجرأة على فتح صفحة جديدة، يكون عنوانها الكفاءة، والمحاسبة، والعمل طويل النفس .
المغرب قدّم الدرس بأوضح صورة، الاستثمار في الإنسان، والثقة في الكفاأت، وبناء مشروع رياضي متكامل، هي الطريق الأقصر نحو منصات المجد. أما الذين ما زالوا يدورون في الحلقة نفسها، ويعيدون إنتاج الإخفاق ذاته، فلن يحصدوا إلا مزيدا من الخيبات. اليوم، يهتف المغاربة من المحيط إلى الصحراء؛ “سير… سير…”، لأن خلف هذا الهتاف منتخبا يقاتل، ومدربا يؤمن، ولاعبين يكتبون تاريخا جديدا بحروف من ذهب.
المغرب لم يرفع رأسه وحده، بل هناك فريق آخر ،منتخب الفراعنة أو الساجدين ، منتخب الرجال ،نتمنى من كل قلوبنا أن يلتحق بالمغرب ضد الأرجنتين ،بعد أعاد إلى الكرة العربية شيئا من هيبتها، وإقصاءه منتخب استراليا، وأثبت أن الوصول إلى مصاف الكبار ليس حلما رومانسيا، بل ثمرة رؤية واضحة، وعمل شاق، وإرادة لا تعرف الانكسار.
فهنيئا لأسود الأطلس، فقد أصبحوا عنوانا للطموح، وبرهانا على أن من يزرع الإيمان يحصد المجد، وأن الأمم التي تحسن التخطيط لا تطرق أبواب التاريخ، بل تدخلها من أوسع أبوابه.
بقلم : معز ماني
